أبي الفرج الأصفهاني
495
الأغاني
فالآن من قبل موتي لا عطر بعد عروس [ 1 ] / بنيتم في فؤادي أو كار طير النّحوس قلبي فريس المنايا يا ويحه من فريس سئل عن تفضيله برصوما فأجاب : - الشعر لرجل من قريش ، والغناء لابن جامع في طريقة الرمل - لم يتغنّ في ذلك المجلس بغيره . وكان إذا أراد أن يتغنّى سأل أن يزمر عليه برصوما . فلما كثر ذلك سألوه فيه فقال : لا واللَّه [ 2 ] ، ولكنه إذا ابتدأت فغنّيت في الشعر عرف الغرض الذي يصلح فما يجاوزه ، وكنت معه في راحة ؛ وذلك أن المغنّي إذا تغنّى بزمر زامر فأكثر العمل على الزامر لأنه لا يقفو الأثر ؛ فإذا زمر برصوما فأنا في راحة وهو في تعب ، وإذا زمر عليّ غيره فهو في راحة وأنا في تعب . فإن شككتم فاسألوا برصوما ومنصور زلزل . فسألوهما عما قال ، فقالا : صدق . هم المهدي بضربه لاتصاله بالهادي : قال وحدّثني عليّ بن أحمد الباهليّ قال : سمعت مصعب بن عبد اللَّه يقول : بلغ المهديّ أنّ ابن جامع والموصليّ يأتيان موسى [ 3 ] ، فبعث إليهما فجيء بهما ، فضرب الموصليّ ضربا مبرّحا ، وقال له ابن جامع : ارحم أمّي ! فرقّ له وقال له : قبّحك اللَّه ! رجل من قريش يغنّي ! وطرده . فلما قام [ 4 ] موسى ، وجّه الفضل خلفه بريدا حتى جاء به ؛ فقال له موسى : ما كان ليفعل هذا غيرك . غنى عند الهادي فأعطاه ثلاثين ألف دينار : قال وحدّثني الزبير بن بكَّار قال قال لي فلفلة [ 5 ] : تمنّى يوما موسى أمير المؤمنين ابن جامع ، فدفع إليّ الفضل بن الربيع خمسمائة دينار وقال : امض حتى تحمل ابن جامع ، وبعث إليه بما يصلحه ، فمضيت فحملته . فلما دخلنا أدخله الفضل الحمّام وأصلح من شأنه . ودخل على موسى فغنّاه فلم / يعجبه . فلمّا خرج قال له الفضل : تركت الخفيف وغنيت الثقيل ، قال : فأدخلني عليه أخرى ؛ فأدخله فغنّى الخفيف ؛ فقال : حاجتك فأعطاه ثلاثين ألف دينار .
--> [ 1 ] هذا مثل مشهور قالته أسماء بنت عبد اللَّه العذرية ، وكان اسم زوجها عروس ، ومات عنها ، فتزوجها رجل أعسر أبخر بخيل دمم . فلما أراد أن يظعن بها قالت : لو أذنت لي فرثيت ابن عمي ؛ فقال : افعلي ؛ فقالت : أبكيك يا عروس الأعراس ، يا ثعلبا في أهله وأسدا عند الناس ؛ مع أشياء ليس يعلمها الناس . فقال : وما تلك الأشياء ؟ فقالت : كان عن الهمة غير نعاس ، ويعمل السيف صبيحات الباس . ثم قالت : يا عروس الأغر الأزهر ، الطيب الحيم الكريم المحضر ، مع أشياء له لا تذكر . فقال : وما تلك الأشياء ؟ قالت : كان عيوفا للخنى والمنكر ، طيب النكهة غير أبخر ، أيسر غير أعسر . فعرف أنها تعرض به . فلما رحل بها قال : ضمي إليك عطرك ، وقد نظر إلى قشوة عطرها مطروحة ، فقالت : لا عطر بعد عروس . وقيل : إن رجلا تزوّج امرأة فأهديت إليه فوجدها ثفلة فقال : أين عطرك ؟ فقالت : خبأته ؛ فقال : لا مخبأ لعطر بعد عروس . وهذا المثل يضرب لمن لا يدخر عنه نفيس . ( انظر « شرح القاموس » مادة عرس و « مجمع الأمثال » للميداني ج 2 ص 137 طبع بولاق ) . [ 2 ] كذا في ح . وفي سائر الأصول : « لا وأبيه » . [ 3 ] هو موسى الهادي بن المهدي تولى الخلافة سنة 169 ه وتوفي سنة 170 وكانت خلافته سنة وشهرين . [ 4 ] يريد : صار خليفة . [ 5 ] كذا في ب ، س . وفي سائر النسخ : « قليلة » .